مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
317
موسوعه أصول الفقه المقارن
احتياطاً أو اطمئناناً بالبقاء أو ظنّاً به أو غفلة ، كما هو الحال في سائر الحيوانات دائماً ، وفي الإنسان أحياناً « 1 » . ثانياً : البناء مسلَّم في موضع يحصل لهم الظنّ بالبقاء لأجل الغلبة ، واعتمادهم دائماً على الغلبة سواء وافقت الحالة السابقة أو لم توافق ، فلا علاقة له بالحالة السابقة « 2 » . ثالثاً : البناء المزبور خاص بموارد الشكّ في الرافع لا المقتضي ، وعملهم هذا ليس لأجل حصول الاطمئنان بالبقاء أو لمحض رجاء البقاء ، فإنَّ ذلك غير حاصل مع الشكّ فيه ، بل عملهم فيه لجريان فطرتهم على ذلك ، وأنَّ بقاء المتيقّن من المرتكزات في أذهان العقلاء ، لكن عند الشكّ في الرافع فحسب ، أي أنَّ الارتكاز العرفي يصرف البناء إلى حالة الشك في الرافع فقط « 3 » . وأجيب عن الأوَّل والثاني : بأنَّ المراد من بناء العقلاء ثبوت بنائهم على قاعدةٍ ما ، ورغم غفلة بعضهم في العمل وفق هذه القاعدة أحياناً ، إلَّاأنَّ ذلك لايضرُّ في ثبوت البناء مع الالتفات دائماً ، هذا مع أنَّه لايضرُّ كذلك منشأ وسبب بنائهم على هذه القاعدة ، فقد يكون الاطمئنان بالحالة السابقة وقد يكون الغلبة أو أي شيء آخر ، ومن غير الضروري أن يكون بناؤهم ناشئاً عن التعبُّد من قبل الشارع ، فإذا أحرز الإمضاء كفى في إثبات الحجّية . نعم ، قد يضرُّ باستكشاف ثبوت القاعدة لدى الشارع إذا كان منشأ البناء رجاء تحصيل الواقع ؛ لأنَّها عندئذٍ لا تعدُّ قاعدة تخصُّ الحالة السابقة ، بل هي عمل وفق الرجاء ، وكذلك الحال فيما إذا كان منشأ عملهم الاحتياط ، فإنَّ الأخير يسقط البناء كقاعدة ؛ لأنَّه قد يقتضي البناء على عدم البقاء لا البقاء نفسه ، إلَّاأنَّ هذه الاحتمالات ساقطة واحتمال البناء على الرجاء والاحتياط بعيد جداً ، والأقوى كونهم قد بنوا على الحالة السابقة للاطمئنان أو الظن أو التعبُّد « 4 » . وأجيب عن الثالث : بأنَّه على فرض صحته لا ينفي أصل البناء ، بل يخصُّه بحالة الشكِّ في الرفع ، فالقول به يعني الذهاب إلى التفصيل في حجّية الاستصحاب ، كما يقرُّ بذلك مُدّعيه ويعتبره القدر المتيقّن المستفاد من السيرة « 5 » . وقد رُدَّت المقدمة الثانية - وهي إمضاء الشارع للسيرة - بعدم إحراز رضا الشارع وإمضائه لهذا البناء ، بل يكفي في الردع ما دلَّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم ، وكذلك ما دلَّ على البراءة والاحتياط في الشبهات « 6 » . إلَّا أنَّ هذا الردَّ بالآيات والروايات ، مدفوع بكون المراد منها النهي عن اتّباع غير العلم - الذي يراد به إثبات الواقع - بينما لايراد من الاستصحاب إثبات الواقع ، بل يراد منه تحديد الوظيفة العملية « 7 » ، أو يراد من الظنّ هنا الظنون الواهية والخيالية والتخرُّصات الناشئة عن الأهواء النفسية التي لا أساس لها ، ويشهد على ذلك ثلاثة أمور : 1 - ورودها في المشركين وفي مقام نقد عبادتهم الأصنامَ التي اعتمدت في الأصل الأوهام والخيالات . 2 - لو كان المراد منها مطلق الظنِّ للَزِم التخصيص بها لمطلق موارد الظنِّ ، مثل العمل بالظواهر وخبر الواحد ، مع أنَّ لحنها آبٍ عن هذا التخصيص .
--> ( 1 ) . كفاية الأصول : 387 . ( 2 ) . فرائد الأصول 3 : 95 . ( 3 ) . فوائد الأصول 4 : 332 . ( 4 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 292 - 293 . ( 5 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 333 - 334 . ( 6 ) . كفاية الأصول : 387 . ( 7 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 294 .